تفسير مزمور ٢٢

"وفي الساعة الثالثة صرخ يسوع صرخة شديدة، قال:
(ألوي ألوي، لما شبقتاني؟) أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟"
(مرقس ١٥، ٣٤)

ترجمة الأب: ريبوار عوديش باسه

1 لإمامِ الغِناء. على (( أَيَّلةِ الصُّبْح )). مزمور. لِداود. 2 إِلهي إِلهي، لماذا تركتَني؟ هَيهاتِ أَن تُخَلِّصَني كَلماتُ زَئيري! 3 إِلهي، في النَّهارِ أَدْعو فلا تُجيب وفي اللَّيل لا سَكينَةَ لي. 4 أمَّا أَنتَ فإِنَّكَ قُدُّوس جالِسٌ في تَسابيحِ إِسْرائيل. 5 علَيكَ تَوَكَّلَ آباؤُنا تَوَكَّلوا فنَجَّيتَهم. 6 إِليكَ صَرَخوا فَنَجَوا وعَلَيكَ تَوَكَّلوا فلم يَخزَوا. 7 أَمَّا أَنا فدودَةٌ لا إِنْسان عارٌ عِندَ البَشَرِ ورَذالةٌ في الشَّعْب. 8 جَميعُ الَّذينَ يَرَونَني يَسخَرونَ بي ويَفغَرونَ الشِّفاهَ ويَهُزُّونَ الرُّؤوس: 9 (( إِلى الرَّبِّ سلَّمَ أَمرَه فليَنَجِّهْ ولأَنَّهُ يُحِبُّه فينقِذْه )) . 10 أَنتَ مِنَ البَطْنِ أَخرَجتَني وعلى ثَدْيَي أُمِّي طَمأَنتَني 11 علَيكَ مِنَ الرَّحِمِ أُلْقيتُ ومِن بَطْنِ أُمِّي أَنتَ إِلهي 12 لا تَتَباعَدْ عنِّي فقدِ اْقتَرَبَ الضِّيقُ ولامُعين. 13 ثيرانٌ كثيرةٌ أَحاطَت بي وضَواري باشانَ حاصَرَتني 14 فَغَرَت أَشْداقَها علَيَّ أُسودًا مُفتَرِسةً مُزَمجِرة. 15 مِثْلَ الماءِ اْنسَكَبتُ وتَفَكَّكَت جميعُ عِظامي. مِثلَ الشَّمعِْ صارَ قَلْبي وذابَ في وَسْطِ أَحْشائي. 16 كالخَزَفِ جَفَّ حَلْقي ولساني لَصِقَ بِفَكِّي وفي تُرابِ المَوتِ أَضجَعْتَني. 17 كِلابٌ كثيرةٌ أَحاطَت بي زُمرَةٌ مِنَ الأَشْرارِ أَحدَقَت بي. ثَقَبوا يَدَيَّ ورِجلَيَّ. 18 وأَحصَوا كُلَّ عِظامي وهمِ يَنظُرونَ وَيرَونَني. 19 يَقتَسِمونَ بَينهم ثِيابي ويَقترِعرنَ على لِباسي. 20 وأَنتَ يا رَبُّ، لا تَتَباعَد يا قُوتي، أَسرعْ إِلى نُصرَتي. 21 مِنَ السَّيفِ أَنقِذْ نَفْسي ومِن يَدِ الكَلْبِ وَحيدتي. 22 مِن شِدْق الأَسَدِ ومِن قُرونِ الثَّورِ خلِّصْني. لقَد أَجَبتَني. 23 سأُبَشِّرُ أُِخوَتي باْسمِكَ وفي وَسْطِ الجَماعةِ أُسَبِّحُكَ. 24 (( يا أَتقِياءَ الرَّبًّ سَبِّحوه ويا ذُرِّّيةَ يَعْقوبَ كافَّةً مَجِّدوه. ويا ذُرِّّيةَ إِسْرائيلَ كافَّةً اْخشَوه )) 25 فإِنَّه لم يَزدَرِ بُؤسَ البائِسِ ولم يَستَقبِحْه ولا حَجَبَ عنه وَجهَه وإِذا صَرَخَ إِلَيه كانَ سَميعًا. 26 مِن لَدُنكَ تَسْبيحي في الجماعةِ العَظيمة سأُوفي بِنُذوري أَمامَ أَتقِيائِه. 27 سيأكُلُ الوُضَعاءُ ويَشبَعون ويُسَبِّحُ الرَّبَّ مُلتَمِسوه. لِتَحْيَ قُلوبُكم للأبدِ. 28 جَميعُ أَقاصي الأَرضِ تَتَذَكَّر وإِلى الرَّبِّ تَتوب وجَميعُ عَشائِرِ الأمَمِ أَمامَه تَسجُد 29 لأَنَّ المُلكَ لِلرَّبَ وهو يَسودُ الأمَم. 30 لَه وَحدَه يَسجُدُ جَميعُ عُظَماءَ الأَرض وأَمامَه يَجْثو جَميعُ الهابِطينَ إِلى التُّراب لَه تَحْيا نَفْسي 31 وإِيَّاه تَعبُدُ ذُرِّيَّتي. يُخبِرونَ بِالرَّبِّ الجيلَ الَّذي سيَأتي وُيبشِّرونَ بِبِرِّه الشَّعبَ 32 الَّذي سيُولَد: لأَنَّه قد صَنعً صَنيعًا.

يعتبر مزمور ٢٢ عادة كاستغاثة فردية، لكن في صيغته النهائية يمكن ملاحظة عناصر لأجناس أديبة أخرى: الثقة والحمد والشكر والتسبيح المنفتح للمستقبل. يبدو أن المزمور لم يُألف لوهلة من الزمن، وإنما دخل في مراحل متعددة من التحرير. وبالأخص تبرز فيه الإضافات وإعادة قراءة تعود لفترة ما بعد السبي وتتميز بكونها آواخرية ـ شمولية وذلك في الآيات ٢٨ ـ ٣٢ (قارن: F.-L. HOSSFELD – E. ZENGER, Die Psalmen, pp. 144-146). لمز ٢٢ مكانة مركزية في العهد الجديد حيث قُرِأ كنبوءة تحققت (مر ١٥، ٣٤؛ مت ٢٧، ٤٦). أحداث الآلام مرتبطة باقتباسات من مز ٢٢ (قارن الآية ٨ منه مع مر ١٥، ٢٩؛ الآية ٩ منه مع مت ٢٧، ٤٣؛ الآية ١٩ منه مع مر ١٥، ٢٤). يسوع بجعله كلمات المزمور كلماته، لا فقط سبر أعماق معناه، وإنما أعطاه أيضاً معنى مميزاً وحاسماً ونهائياً. يسوع بصرخته من على الصليب يرفع صراخ الآم الفردي والكوني، أي حتى صراخ إسرائيل يصبح نموذجاً لصراخ الإنسانية برمتها. يسوع في لحظات احتضاره على الصليب يعبر عن آلامه بكلمات المزمور التي يختبرها في أعماق كيانه (قارن/ J. GREISH, Penser la Bible: L'herméneutique philosophique à l'école de l'exégèse biblique, in RB 107 [2000] 93-96: presentazione e analisi dell'opera Penser la Bible di P. Ricœur e di A. La Coque). كما تقتبس نصوص لاحقة في العهد الجديد آيات من الجزء الثاني للمزمور (قارن الآية ٢٣ منه مع عبر ٢، ١٢؛ الآية ٢٩ منه مع رؤ ١١، ١٥).
يقع مز ٢٢ ما بين نشيد نصر (مز ٢١) وصلاة ثقة (مز ٢٣). يجري الحديث في مز ٢١ عن ملك منتصر، بينما في مز ٢٢ يرتكز الحديث عن فقير متألم ومُخَلَص. وكلا المزموران يتقاسمان موضوع العون الذي يأتي من الرب (مز ٢١، ٢. ٦؛ ٢٢، ٢. ٢٢)، إضافة إلى مواضيع أخرى مثل: وجه الرب (مز ٢١، ٧. ١٠؛ ٢٢، ٢٥. ٢٨. ٣٠)؛ الدعوة لحياة (مز ٢١، ٥؛ ٢٢، ٢٧) طويلة (مز ٢١، ٥. ٧؛ ٢٢، ٢٧)؛ الثقة بالرب (مز ٢١، ٨؛ ٢٢، ٥. ٦). عند قراءة مز ٢٢ مع مز ٢١، يكتسب مز ٢٢ أيضاً منظوراً جديداً: فالمصلي، الذي في مز ٢٢، ٧ يشعر وكأنه "دودة"، الرب بمعونته يلقي "عليه جلالا وبهاء" ملكيين (مز ٢١، ٦؛ قارن مز ٨، ٦). بالإضافة إلى ذلك، يبدو مز ٢٣ وكأنه تعليق على طريق الفقير في مز ٢٢: فالمصليان هما أمام "الموت" (مز ٢٢، ١٦؛ ٢٣، ٤) ويأملان بإنقاذ الـحياة "نفسي" (مز ٢٢، ٢١؛ ٢٣، ٣). الوعد الذي أطلق في مز ٢٢، ٢٣ بتسبيح "أسم" الرب يتحقق في مز ٢٣، ٣. المائدة المُهيئة للفقراء في مز ٢٢، ٢٧، تستمر في مز ٢٣، ٥ (قارن: J. SCHREINER, Zur Stellung von Psalm 22 im Psalter. Folgen für die Auslegung, in J. Schreiner [ed.], Beiträge, pp. 241-277.).
يتكون مز ٢٢ من استغاثة التي فيها يطلب المُزمّر النجدة (الآيات ١ ـ ٢٢)، وبعده يأتي جواب الرب (الآية ٢٢ ب)، ويليه نشيد شكرٍ (الآيات ٢٣ ـ ٢٧) ويختم بالحمد (٢٨ ـ ٣٢). الاستغاثة بدورها مكونة من قسمين (الآيات ١ ـ ١٢ و١٣ ـ ٢٠). ويختتمان كلاهما بالتعبير "لا تتباعد" (الآيتان ١٢ و٢٠). وفي نهاية هذه الاستغاثة يرد التعبير "لقد أجبتني" كجملة ختامية للإشارة إلى أن صلاة المُزَمّر قد أُستُجِيبتْ. وفي الجزء الثاني (الآيات ٢٣ ـ ٢٧) يحتفل المُصلي بتحريره الشخصي مع الجماعة. أما في الجزء الثالث (الآيات ٢٨ ـ ٣٢) فإن نطاق الحمد يتوسع ليشمل الإنسانية بأسرها بما فيها الأمم، وكل إنسان زائل وعائد إلى التراب، وكل الأجيال المستقبلية.
التعابير الأكثر بروزاً في هذا المزمور هي بعيد وقريب. الله بعيد والعدو قريب. وحشية البشر متمثلة بصور الحيوانات التالية: الثيران وضواري باشان والكلاب والأسود. الحالة الجسدية والروحية وصفت من خلال صور ترمز للسيولة والصلابة، حيث أن" الأنا" تنسكب والعظام تتفكك والقلب يذوب مثل الشمع، بينما الحلق يجف كالخزف واللسان يلتصق بالفك.

[٢٢، ١] العنوان: يتكون العنوان من ثلاث أجزاء، أولهم وآخرهم يردان مراراً في سفر المزامير (قارن مز ١٣ و١٩). أما الجزء الوارد في الوسط فربما يشير لذبيحة تقدم قبل الفجر أو للحن موسيقى أو لوقت الطقس ذاته.

[٢٢، ٢ ـ ٣] استغاثة ورثاء في مطلع المزمور: يبدأ المزمور باستغاثة طارئة لله، والتي تكرر لثلاث مرات (إيلي وإيلوهاي) "إلهي"، والغاية منها طلب التفاتة الله لمعاناته. هذه الصيغة لمناداة الله كانت تستخدم من قبل الجماعات العائلية الصغيرة للإشارة إلى إلههم الشخصي (قارن: E.S. GERSTENBERGER, Psalms, p. 109). لكن بالنسبة للمُصلي هنا، هذا الإله الشخصي وكأنه قد أصبح إله بعيد. ومحاولاته الملحة لإعادة إحياء الروابط، تبدو وكأنها قد ذهبت سدى.

[٢٢، ٤ ـ ٦] التوكيد على التوكل: ما يعنيهُ المُصلي بالقول "إلهي"، يتوضح هنا في هذه الآيات. فثقته مبنية على تقليد طويل متجسد في مراحل تحقيق خلاص الشعب عبر التاريخ. أن يدعو المُصلي الله "إلهي" يعني انتمائه لجماعة التي بالنسبة لها الله هو القدوسٌ (أش ٦، ٣) الجالس على عرش سماوي، وأرضي، فوق أجنحة الكاروبيم وفوق تابوت العهد ليستمع أناشيد التسبيح من قبل جماعة إسرائيل. إن ثقة الآباء (قارن استخدام فعل "توكل" لثلاث مرات) لم تخيب (أش ٣٠، ١٥؛ مز ٣١، ٢).

[٢٢، ٧ ـ ٩] رثاء المُصلي: المُصلي يطلق رثائه بسبب افتقاده لكرامته الإنسانية. حاله أصبح بعكس ما قيل عن الرجل الملكي المُتَحلى "جلالا وبهاء" في مز ٨، ٦ ومز ٢١، ٦. ألمه لا يقابله الشفقة ممن يحيط به، بل العكس من ذلك، فهم يزيدون من حدة ألمه باستهزائهم وسخريتهم به، ويناقشون معه علاقته الشخصية بإلهه واضعين إياها موضع شكٍ (الآية ٩).

[٢٢، ١٠ ـ ١١] التوكيد على التوكل: هنا يُعَبر مجدداً عن معنى مناجاة الله بالقول "إلهي" (قارن الآيات ٢ ـ ٣). هذه المرة التوكيد مرتكز على خبرة شخصية. فقد وصفت العلاقة الشخصية من خلال تعبير رمزي والذي فيه قُدِم الله بدور أب إنساني الذي منذ لحظة رؤية ابنه عند ولادته، وهو يستقبله فوق الركبتين، ويأخذه بين ذراعيه، ويضعه على صدر أمه لترضعه، مُؤمناً بذلك له البيئة الآمنة التي فيها يمكن لحياته أن تنشأ وتطور. أنها شهادة يعبر فيها المؤمن كيف عاش حياته بأسرها بالاتكال على الرب.

[٢٢، ١٢] الصلاة المركزية: هنا نلاحظ التناقض بين القرب والبعد. حينما يقترب الخطر، ما باستطاعة أحد تقديم عون سوى الله. هذه الآيات ترتبط بوضوح بما جاء في الآيات ٢ ـ ٣ (قارن مز ١٨، ٤٢).
[٢٢، ١٣ ـ ١٩] رثاء المُصلي: يبدأ هنا القسم الثاني من الجزء الأول للمزمور (الآيات ١٣ ـ ٢٢)، وفيه تعمقٌ في موضوع اقتراب الخطر الذي ذُكر في ختام القسم الأول (الآية ١٢). وهناك أيضاً تطور بموضوع الرثاء الوارد في الآيات ٨ ـ ٩، وذلك من خلال وصف معادة الأعداء للمُصلي وتبِعات شرورهم عليه. الإشارة للحيوانات لها أصول أسطورية وشيطانية، وقد استخدمت هنا لبيان كيف أن الأشرار المجهولين يستغلون المكان القريب من المُصلي، هذا المكان الذي تُرِكَ خالياً بسبب ابتعاد الله. فهم يُحَوطونه على شكل ثلاث دوائر مُشكلة من هذه الحيوانات: الثيران والأسود والكلاب. يعبر المُزمر عن حاله من خلال وصفين، كلاهما يرمزان لقرب الموت. أعراض احتضاره واضحة في حال جسده. فهو يشعر بتكسر عظامه التي تحترق بسبب حمى قاتلة (الآيات ١٥ ـ ١٦أ). أما أعدائه، فأنهم يقابلونه ويراقبون سوء حالته وعذاباته وينتظرون موته (الآيات ١٧ ـ ١٩). ولكنه، رغم كل هذه الآلام والمعانات التي تقوده للموت، يشعر بتدخل الله البعيد: إنه الله هو الذي أضجعه في تراب الموت (الآية ١٦ب؛ قارن إر ٢٣، ٢٣: "أإله أنا عن قرب، يقول الرب ولست إلها عن بعد؟").

[٢٢، ٢٠ ـ ٢٢] الصلاة الختامية: يطلب المُصلي من الله بإنهاء غيابه، وقدومه لكسر هذا الطوق الثلاثي القاتل حوله، والمتمثل بالكلب والأسد والثور. يطلب فقط البقاء على قيد الحياة. هذه الصلاة تقطع بالتعبير الوارد في الآية ٢٢ بـ "لقد أجبتني". يتيقن المُزمر هذا الأمر، إما عن طريق تدخل خارجي (كلمة نبوية أو كلام المحتفل بالطقس) أو ربما ـ وهو أكثر احتمالية ـ عن طريق خبرة داخلية بالاتكال على الله، وهذا ما توصل إليه المُزمّر من خلال الصلاة (قارن الآية ٢).
[٢٢، ٢٣ ـ ٢٧] نشيد شكر: هنا نلاحظ تحول من جنس أدبي يدعى استغاثة وطلب العون إلى جنس أدبي آخر يدعى الشكر لخلاص تم نيله. التعابير الواردة هنا تذكرنا بأجواء شخصٍ تيقن أن دعائه قد استجاب، فتوجه للمعبد برفقة كل الذين ابتهجوا بخلاصه، ليفي بنذره الذي وعد به عندما أقام صلاة استغاثة. وعليه فهو يهيئ مأدبة ذبائحية لمجموعة من الأقارب والأصدقاء الذين يرافقونه ويهتف نشيد الحمد والشكر لنيله الخلاص. مرافقيه هم أخوته بالمعنى الديني (الآية ٢٣). هذه جماعة الأخوة تسمى بأسماء أخرى: أتقياء الرب (الآيات ٢٤ ـ ٢٦)؛ الذين يبحثون عن الرب (الآية ٢٧)؛ الفقراء (الآية ٢٧)؛ ذرية يعقوب / ذرية اسرائيل (الآية ٢٤). إنها جماعة خاصة، التي من دون ان تنفصل عن الشعب، تحاول إظهار ما معنى أن يكون المرء إسرائيلي في زمانه.

[٢٢، ٢٨ ـ ٣٢] نشيد حمد آواخري: في هذ القسم الثالث، مصير المُصلي مرتبط بمستقبل ملكوت الرب. الآفاق هنا تتوسع لتشمل الكون برمته. خبرة المُزمّر تصبح علامة لكل الإنسانية. معنى خلاصه مُعلن من قبل العالم كله، باختلاف أسره وشعوبه (الآية ٢٨)، وكل أحوال الإنسانية الموجودة على وجه الأرض، بما فيها من الأحياء الذين يختبرون بأن حياتهم ذاتها مصيرها التراب (الآية ٣٠أ)، والأموات (بانتظار ـ حسب الاقحام النصي ـ القيامة؟ [الآية ٣٠ب] قارن:K. SEYBOLD, Die Psalmen, pp. 99-100)، والأجيال المستقبلية التي لم تلد بعد (الآيات ٣٢ ـ ٣٣). الكل، في كل مكان وزمان وحال، متحدٌ في العبادة مع الذين يعترفون بملوكية الله على الكون بأسره: إنه لرجاءٌ قد لا يتجسد هنا والآن، ولكنه سيتحقق حتماً في نهاية الأزمان.
يقع مز ٢٢ في منتصف الكتاب الأول من سفر المزامير. وهذا الأمر لا ينبغي اعتباره اعتباطياً أو صدفة. فقد استخدمت فيه ثلاثة أنواع من الأجناس الأدبية: الاستغاثة الفردية (الآيات ١ ـ ٢٢)، وبعد استجابة الله لها "لقد أجبتني" (الآية ٢٢ ب)، يرفع نشيد الشكر (٢٣ ـ ٢٧)، ويليه نشيد الحمد (الآيات ٢٨ ـ ٣٢). وبالتالي يمكن الاستنتاج بأنه في وسط الكتاب الأول من سفر المزامير، يرد نشيد يُبين كيف تمّت الاستجابة لاستغاثة المُصلي. وهكذا ينبغي تفسير بقية صلوات الاستغاثة والرثاء التي تشكل أكثر من نصف الكتاب الأول من سفر المزامير. ينبغي إذن على المؤمن الإسرائيلي العبور من الرثاء إلى الشكر والحمد والتمجيد، معبراً بذلك عن إيمانه وثقته بقدرة الله على تحويل المأساة إلى الخلاص، وذلك بتسليم ذاته بيد الله من خلال الصلاة (قارن:J. SCHREINER, Zur Stellung, pp. 270-277).

ترجمة من كتاب:
(T. LORENZIN, I Salmi [I Libri Biblici. Primo Testamento 14; Milano 2000], 114 -117).

مواضيع متعلقة

اترك رداً